اسد حيدر

383

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

المجتمع الإسلامي الواسع الذي انضم إليه طوائف من أديان سابقة وشعوب من حضارات أخرى وقد استهوت مناهج هؤلاء وطرقهم عقول بعض المسلمين فتوغلوا في تقليدها وتوسعوا في مجاراتها فكان أن اختل ثبات الرأي وضوابطه المعروفة ، وأقحموا أنفسهم في مغاليق ومبهمات عمد الإسلام إلى إيضاحها وبيانها في مسائل التوحيد والإيمان وعموم الأحكام غير أنهم مالوا إلى بهرج اللفظ والصياغة وظنوا أن تغيير وسائل القول وألوان الكلام سيكتب لهم المنزلة السامية والمكانة العليا فكيف وقد تعمدوا ما لا يؤمن نتيجته ؟ واتخذوا من المناهج ما يقتضي تكلفا يبعد عن وضوح المعهود وجلائه . وهنا برز الإمام الصادق في خضم معترك فكري وديني ولولا خصائص الإمامة ونور النبوة الذي يفيض من منطقه لما تمكن بشر من القيام بتلك المهمات والمسئوليات الجسام فكان عليه السلام يتصدى الأفكار التي تمس العقيدة وتؤثر في الدين ، وكان يتحرى أقوال الآخرين ويناظر أصحاب الدعوات والآراء والكل يلجأ إليه لما اشتهر به من علم ، وقد كان عليه السلام في موجات هذا الخضم لا ينسى كيف يصون نفسه من الحكام ويجنب شيعته الأذى وهو يعدّهم إعدادا متميزا ويوجههم توجيها هادفا . وقد كان منهم نخبة يلازمونه ويختصون به وقد وكل إليهم الإمام الصادق كثيرا من المهام الاجتماعية وعهد إليهم بأدوار دينية ودفع بهم إلى واقع الأمة وكل منهم لديه ذخيرة من التعاليم والآداب الدينية . وفي تلك الفترة كانت مدرسته عليه السلام تقوم على قاعدة علمية كبرى تتفرع منها بقية العلوم التي يتلقاها الطلاب ، فربط عليه السلام ضروب النشاط العلمي في مجمع مدرسته ومنتداها بالتوحيد والإيمان ، وجعل من وجوب المعرفة باللّه أصلا لذلك فكان يملي على أصحابه وطلابه قائلا : وجدت علم الناس كلهم في أربع . أولها أن تعرف ربك والثاني أن تعرف ما صنع بك والثالث أن تعرف ما أراد منك والرابع أن تعرف ما يخرجك عن دينك . ولا نريد أن نشير إلى أغلب جوانب الحركة الفكرية في مدرسة الإمام الصادق لأن ذلك سيتوزع على أجزاء الكتاب فنعاود ذكرها وبحثها لكنا نؤكد على بنائها والاهتمام العالي في منهجها وإشراف الإمام الصادق على نشاطها ومباشرة مهماتها